جاري تحميل ... جريدة ديرعمار D N P

إعلان الرئيسية

وفيات

الصفحة الرئيسية في الشهر الفضيل..... أسعار خيالية وموائد خالية

في الشهر الفضيل..... أسعار خيالية وموائد خالية

حجم الخط





سوليكا علاء الدين


تفوح نسائم شهر رمضان المبارك على اللبنانيين وسط زحام أزمة اقتصاديّة وماليّة واجتماعيّة هي الأسوأ والأقسى منذ نهاية الحرب الأهليّة عام 1990. فللعام الثالث على التوالي، لا تزال تردّدات وانعكاسات الإنهيار الشامل في أشرس مراحله وأوج تفاقمه حتى أصبح معظم الشعب يعيش وينجو بفضل تدبير الله ورحمته بعد أن فقد الحد الأدنى من مقوّمات الصمود والحياة.


وعلى أبواب شهر الخير، تشتدّ الأوضاع المعيشيّة صعوبة ويضيق الخناق أكثر وأكثر على رقاب المواطنين الذين لم يعد بإمكانهم تأمين أقلّ احتياجاتهم من طعام وشراب في ظلّ انتشار موجة غلاء فاحش باتت تهدّد ما تبقّى من قدرتهم الشرائيّة المنهارة. فبعد اللحوم والدجاج والأسماك، وصلت نيران الغلاء الملتهبة إلى شتّى أنواع الخضار التي شهدت خلال الأيام الماضية تحليقاً صادماً وقفزات قياسيَة في أسعارها ليُصبح الحصول عليها من سابع المستحيلات لدى شريحة واسعة من الشعب اللبناني الذي أرهقته أعباء الأزمة الاقتصادية وأفرغت جيوبه منذ بداية الأزمة في خريف العام 2019.


موجة الغلاء ليست بمستجدّة بل كانت متوقّعة كما في كل عام قبل قدوم رمضان، لكنّها أتت بمستويات صادمة وخياليّة خاصة وأنّها تستهدف أبسط ما تبقّى من السلع الحيويّة والضروريّة التي يحتاجها الإنسان لتأمين غذاء صحيّ وسليم فكيف بالصائم الذي يمتنع عن الأكل لفترات طويلة؟ وقد أصبح هاجسه الأوّل وهمّه الوحيد تأمين وجبة إفطار معقولة تناسب جيبه في ظل صعوبة الحصول على المواد الغذائيّة والإرتفاع الغير مبرّر في الأسعار. 


فالإرتفاع الهستيري لم يكن فقط وليدة الطقس العاصف والنقص في الحصول على الكميّة الكافية من الإنتاج، واستمرار غياب الدعم للقطاع الزراعي وارتفاع  أسعار العديد من المستلزمات الزراعيّة؛ إنّما بلا شكّ هو من تبعات سلسلة الأزمات الداخليّة المتشابكة، ناهيك عن الحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار النفط ومواد المحروقات عالميّاً وبالتالي ارتفاع كلفة الإنتاج والاستيراد والشحن. هذا فضلاً عن عودة التقلبات في سعر الصرف وتجاوزه حاجز الـ25 ألف ليرة للدولار الواحد، ليبقى العامل الأهم والأخطر هو جشع التجار واحتكارهم وتخزينهم للبضائع من أجل إعادة بيعها بأسعار باهظة الثمن وتحقيق أرباح غير شرعيّة وغير إنسانيّة.


وفي ظلّ انعدام الرقابة والمحاسبة وعدم تحرّك السّلطة المجدي والفعّال من أجل حماية حقوق المواطنين وتوفير الدّعم الغذائي لهم للتخفيف من وطأة تدهور الوضع الاقتصادي، تستمرّ عمليّات الإستغلال والإبتزاز دون أي حسيب أو رقيب ليدفع المواطن وحده الثمن من جيبه وصحّته بعد أن وضعته الكارثة أمام مواجهة يوميّة مع كيفيّة تأمين لقمة عيشه واحتياجاته الغذائية الحيويّة.


وها هي موجة الغلاء اللاّ أخلاقيّة، تُجبره اليوم على زيادة الكثير من أنواع الحشائش والخضار على قائمة الإستغناء المفتوحة نتيجة تراخي المسؤولين في وضع حدّ لهذا الفجور وتمادي التجّار في التلاعب بلائحة الأسعار وفق جشعهم ومصالحهم بذريعة شرائهم على سعر صرف مرتفع، لتتعدّى كلفة تأمينها قيمة الحد الأدنى لراتبه الشهري ولتفوق قدرته الشرائيّة المتدهورة خاصّة أنّ الصائم في شهر رمضان يحتاج إلى شرائها كلّ يوم باعتبارها من أبسط مكوّنات إفطاره الأساسية.


وعلى الرغم من الإعلان بأنّ هذه السلع سوف تتواجد دون انقطاع في الأسواق خلال الشهر القادم، إلّا أنّ الكثير من اللبنانيين لن يكونوا قادرين على الحصول عليها ما دام ثمنها غير متوافر وما دامت أسعارها مستمرّة في التحليق صعوداً دون أي رادع، فما الفائدة من تواجدها؟


مع تفاقم الصعوبات المعيشيّة، تغيب هذا العام أيضاً زينة وتحضيرات رمضان بكافة ألوانها وأنواعها من الشوارع وتُفتقد الموائد الغنيّة المليئة بشتّى أنواع المأكولات والحلويات والأصناف الشهيّة من المنازل ليحلّ شهر رمضان المبارك في ظلّ ظروف استثنائية وصعبة جدّاً.


 فالحكومة لا تنهمك اليوم سوى في التحضير لاستحقاق الانتخابات النيابية وتضييع الوقت بالمناكفات والسّجالات السياسيّة غير آبهة بشعب أضحى فريسة بؤر الجوع والفقر المدقع، في حين ينهمك المواطن في البحث المضني عن ما تيسّر له من طعام وشراب لتأمين فتات قوته اليوميّ ولقمة عيش كريمة من أجل البقاء حيّاً....


مع اقتراب الشهر الفضيل، كان الله في عون اللبنانيين الذين يتجدّد الأمل في نفوسهم الحزينة بأن تمرّ هذه الأيام عليهم بكثير من الخير والرحمة والبركة.